استكشاف الآفاق: خطوات جريئة نحو عوالم جديدة

بقلم يزيد الدغيثر

لطالما أسر الفضاء مخيلة الإنسان منذ ما قبل ظهور التاريخ. فعلى مدى آلاف السنين، تأمل البشر في أسرار هذا الحدّ الأخير. فقد كانت الأجرام السماوية تُعبد من قبل المجتمعات البدائية، وتلهم الفنانين، وتُستخدم كأدوات حيوية للملاحة من قبل المستكشفين عبر العصور. إن الدافع الفطري لفهم واستكشاف الفضاء يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالرغبتين الإنسانيتين الأساسيتين: الفضول والابتكار.

ومع ذلك، من اللافت أن أولى مهماتنا الجريئة في الفضاء لم تبدأ إلا خلال نصف القرن الماضي، وهو جزء بسيط من الزمن الذي قضاه البشر في التحديق نحو الكون. ففي العصر الحديث، تتنافس الدول لتسجيل أسمائها في سجلات تاريخ استكشاف الفضاء، والمملكة لا تستثنى من هذا السعي الطموح. وتَعِد نتائج هذه الرحلات بتحقيق تحولات عميقة على الصعيدين التقني والعلمي، بل وحتى في نظرتنا الوجودية للحياة. ومع بدء المملكة خطواتها الأولى نحو هذا الفضاء الواسع، ما الذي يمكن أن نتوقعه من هذا الشكل من التنقل بين النجوم ؟

تأسست الهيئة السعودية للفضاء لأول مرة في عام 2018 كهيئة مستقلة، برئاسة معالي وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، المهندس عبدالله السواحة. وتُعد هذه الهيئة تجسيدًا لالتزام المملكة بخوض غمار الفضاء وتجاوز حدود كوكب الأرض. ومن بين الأهداف والمهام المعلنة للهيئة: إعداد الدراسات والأبحاث، تطوير أنظمة وتقنيات الأقمار الصناعية، تنفيذ مهمات الاستكشاف البشري، ودعم الاستخدام السلمي لتقنيات الفضاء.

ومع ذلك، فإن انخراط المملكة في هذا المجال ليس بالأمر الجديد. فقد كان أول عربي يسافر إلى الفضاء هو صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان، الذي انضم في عام 1985 إلى طاقم مكون من سبعة أفراد على متن مكوك الفضاء “Discovery- ديسكفري”. وخلال رحلته التي استمرت سبعة أيام في الفضاء، مثّل الأمير سلطان بن سلمان المنظمة العربية للاتصالات الفضائية (عرب سات)، وأجرى عدة تجارب علمية صممها علماء سعوديون، كما أجرى اتصالًا فضائيًا مع عمه، المغفور له بإذن الله الملك فهد بن عبدالعزيز.

أما اليوم، فتفخر المملكة بإرسال اثنين من رواد الفضاء السعوديين — ريانة برناوي وعلي القرني — في مهمة تاريخية إلى محطة الفضاء الدولية، في إنجاز يُعد أولى الخطوات لحقبة جديدة لاستكشاف الفضاء في المملكة.


اقتباس وصورة:
“في الأيام الأولى، كنا نشير إلى بلداننا، وفي اليوم الثالث أو الرابع، بدأنا نشير إلى قاراتنا. وبحلول اليوم الخامس، لم نعد نرى سوى كوكب أرض واحد.”
– صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان



ورغم ما يحمله استكشاف الفضاء من إثارة هائلة، إلا أنه يرتبط أيضًا بتكاليف باهظة جدًا. وقد دفعت هذه الحقيقة بالكثيرين إلى طرح سؤال مشروع: ما الفائدة؟ أليست هناك قضايا أكثر استحقاقًا لإنفاق الملايين التي تُصرف على كل مهمة فضائية؟ “تجدر الإشارة إلى أن ميزانية وكالة ناسا في عام 2023 بلغت نحو 25 مليار دولار”

الإجابة البسيطة هي أن استكشاف الفضاء يُعد مسارًا لا يُقدّر بثمن لتقدم البشرية علميًا. فالاكتشافات والاختراعات التي قد تنجم مباشرة عن استكشاف الفضاء والتجارب العلمية المصاحبة له من المرجّح أن تقود إلى تحسينات جذرية في جودة الحياة على الأرض على المدى الطويل.

كما أنه هدف نبيل، إذ إن ثمار هذه الجهود قد لا تظهر إلا في أيدي الأجيال القادمة — كما حدث مع إسهامات علماء أفذاذ أمثال كوبرنيكوس، وغاليليو، وكبلر، وغيرهم الكثير.
وأثمر استكشاف الفضاء عن ابتكارات وتقنيات أصبحت اليوم جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية.، مثل الإنترنت، نظام تحديد المواقع GPS، التلفزيون، تقنيات التصوير الطبي (مثل الرنين المغناطيسي والتصوير المقطعي)، أدوات التنظيف مثل المكانس اللاسلكية، أجهزة كشف الدخان، والألواح الشمسية.

وبعيدًا عن هذه الجوانب العملية، فإن لاستكشاف الفضاء أيضًا دلالات فلسفية عميقة، تتعلق بمكانة كوكبنا المتواضعة في هذا الكون الشاسع.


الشكل (2) صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان خلال تدريباته استعدادًا لمهمته الفضائية.


عند النظر إلى استكشاف الفضاء من منظور صناعة الطاقة، تتكشف أمامنا أوجه تشابه مثيرة للاهتمام. فإلى جانب إسهام الفضاء  في تطوير مصادر الطاقة المتجددة،بل إن العربات الآلية التي تُستخدم عادةً في استكشاف سطح المريخ يُستفاد منها أيضًا في فحص منشآت النفط والغاز، مما يكشف عن العلاقة غير المتوقعة بين هذين المجالين.

يعتمد المجالان كذلك بشكل كبير على تقنيات الفحص، التسجيل، والمراقبة، التي تستخدم أدوات استشعار زلزالية ونووية وكهرومغناطيسية، وغيرها.
وعلى نطاق أوسع، يشترك كل من استكشاف الفضاء وصناعة الطاقة في التزام عميق تجاه الابتكار التقني الذي يعزز رفاهية الإنسان وتقدمه على كوكب الأرض.

وأخيرًا، يستفيد كلا القطاعين من التعاون العالمي وتبادل الخبرات والموارد والبنى التحتية.

ومع توجيه أنظارنا نحو مستقبل الحضارة الإنسانية، وخاصةً في ظل الدور المتنامي للمملكة على الساحة العالمية، فإننا نشهد تحولات مترابطة وتحديات وتطورات محورية في كل من مشهد الطاقة واستكشاف الفضاء.

بينما تتجه صناعة الطاقة العالمية نحو التكيّف مع مستقبل مستدام خالٍ من الانبعاثات الصافية، نشهد في الوقت ذاته ازدياد عدد الدول التي ترتقي ببرامجها الفضائية إلى آفاق جديدة، كما يتجلى في مهمة الهند الأخيرة إلى القمر. وتعتمد كلتا المسيرتين على تطور تقني متسارع وتغيرات في السياسة، بهدف إثراء الحياة على كوكب الأرض.

وقد نشهد عصرًا تتقاطع فيه الصناعتان بشكل مباشر، إذ يرى بعض الخبراء إمكانية استخراج الموارد الطبيعية من كواكب خارج الأرض.

إن تحليل مسارات هذين القطاعين يحمل وعودًا عظيمة لمستقبل البشرية — مستقبلٌ تقودنا فيه جهودنا الجماعية، مدفوعة بالفضول والابتكار، نحو غدٍ مشرق بقدر ما نتخيل.

وكما قال كارل ساغان: “نحن نُضفي المعنى على عالمنا من خلال شجاعة أسئلتنا وعمق إجاباتنا.”