المايكروبلاستيك والتحدي العالمي نحو البيئة البحرية

د. لينا الزاير

المقدمة

يُعد البلاستيك من أكثر المواد استخدامًا في العصر الحديث، حيث يتزايد إنتاجه واستهلاكه في العالم اجمع الى حد بعيد وبإحصائيات مثبتة. تتمثل المشكلة الرئيسية للبلاستيك في أنه يحتاج إلى وقت طويل جدًا ليتحلل في الطبيعة؛ حيث تستغرق عملية تحلله مئات السنين. ونظرًا لمحدودية إدارة النفايات، ولقلة برامج إعادة التدوير، تتجمع كميات هائلة من النفايات البلاستيكية في المحيطات وعلى اليابسة. ومع مرور الوقت، وبالتعرض للعوامل الخارجية، تتعرض هذه النفايات للتكسر والتفكك وينتج عنها جزيئات بلاستيكية صغيرة يبلغ قطرها خمسة مليمترات او اقل،  تسمى بالميكروبلاستيك. وتُعد المملكة العربية السعودية من الدول التي تواجه تحديات كبيرة فيما يتعلق بتلوث الميكروبلاستيك، بسبب تزايد استخدام البلاستيك في العديد من القطاعات، بما في ذلك التعبئة والتغليف، والمستحضرات الاستهلاكية، والملابس.

النفايات البالستيكية

يُعَدُّ تلوث البيئة الطبيعية بالبلاستيك قضية حرجة تثير قلق الباحثين، وواضعي السياسات البيئية، والجمهور العام أيضًا. البلاستيك هو مادة بوليمرية صناعية أو شبه صناعية مشتقة أساسًا من المنتجات النفطية. يتميز البلاستيك بأنه رخيص وقوي ومتين، وهذه الميزات تجعله مادة مفضلة في مجال التصنيع؛ فهو يُعَدُّ من المواد الأساسية في التعبئة والتغليف، في صناعة الأواني، والأجهزة المنزلية، وألعاب الأطفال، والملابس، كذلك صناعة الإلكترونيات، والسيارات، إلى جانب الصناعات الطبية. خلال العقود الخمسة الماضية، زاد إنتاج البلاستيك عالميًّا بمقدار 20 ضعفًا ليصل إلى أكثر من 400 مليون طن متري في عام 2022. ومع الطلب المتزايد حاليًّا على البلاستيك، من المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم في غضون العشرين عامًا القادمة.

نظرًا لخصائص البلاستيك طويلة الأمد ومقاومته للتآكل، فإنه يميل إلى البقاء في البيئة لما يصل إلى قرن من الزمن. ونظرًا لمحدودية إمكانية إعادة تدوير البلاستيك، تراكمت، عبر الأجيال، كميات هائلة من نفايات البلاستيك في البيئة الطبيعية. فعلى مستوى العالم، وبشكل عام، لا يُعاد تدوير سوى %9 من نفايات البلاستيك؛ بينما يُحرَق %12 منها، وتتراكم نسبة %79 منها في البيئة. وتشير الإحصائيات إلى أنه بحلول عام 2030، من المتوقع أن تبلغ كمية النفايات البلاستيكية التي تدخل النظام البيئي عالميًا حوالي 53 مليون طن سنويًا.

تَشَكُّل المايكروبالستيك

عبر الزمن، تتعرض هذه الكمية الهائلة من النفايات البلاستيكية لعوامل بيئية متنوعة؛ تشمل العمليات الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية؛ التي من شأنها تفتيت المواد البلاستيكية إلى قطع صغيرة تُعرف باللدائن الدقيقة (الميكروبلاستيك). ويُعد التعرض للرياح، والعواصف، وأشعة الشمس، وتيارات المياه من العوامل المهمة التي تسبب تفتت البلاستيك في البيئة؛ ينتج عنها أكسدة مصفوفة البوليمر، وكسر الروابط الكيميائية، وفقدان الهيكل البلاستيكي، وبالتالي التحلل إلى حطام بلاستيكي. وهكذا، أصبح تلوث المايكروبلاستيك مشكلة ناتجة عن النفايات البلاستيكية غير المُدارة التي تراكمت في البيئة.

انتشار المايكروبالستيك في البيئة

يُقدّر أن تشكل المايكروبلاستيك في البحار أكثر من %92 من إجمالي الملوثات البلاستيكية. وعلى الصعيد المحلي، فقد أظهرت الدراسات أن المايكروبلاستيك تنتشر بشكل متزايد في المياه البحرية والساحلية؛ حيث تشير التقديرات إلى أن حوالي %80 من الملوثات البلاستيكية في البحر الأحمر هي جزيئات صغيرة، مما يشكل تهديدًا حقيقيًا للنظم البيئية البحرية.

خصائص المايكروبالستيك

بالإضافة إلى وفرتها، فإن حجمها الصغير، وانتشارها الواسع، وتوزيعها الكبير، واستمراريتها في البيئة من بين الأسباب التي تُثير القلق المتزايد حولها. فهي متينة، وطويلة الأمد، ولها قدرة منخفضة على التحلل البيولوجي؛ أي عوضًا عن أن تتفكك إلى مواد عضوية، فإنها تتحلل إلى قطع أصغر فأصغر من البلاستيك. فضلًا عن ذلك، تتمتع المايكروبلاستيك بقدرة عالية على الحركة؛ أي أنها تميل إلى الانتقال عبر جريان المياه السطحية، ومياه الأمطار، والرياح، والأمواج، والتيارات. هذا النقل هو ما يجعلها موزعة على نطاق واسع في بيئات مائية مختلفة مثل المياه السطحية، والمياه الساحلية، والبحيرات، والأنهار، والرسوبيات البحرية.

 

مصادر المايكروبالستيك

يمكن تصنيف مصادر المايكروبلاستيك إلى مصادر أولية ومصادر ثانوية. تُعد الانسكابات الصناعية من المصادر الأولية لتسرب المايكروبلاستيك بشكل مباشر إلى البيئة. وعلى صعيد آخر، يتوغل المايكروبلاستيك الأولي في البيئة الطبيعية على مدار دورة حياة بعض المنتجات التي تحتوي على البلاستيك الدقيق مثل: مستحضرات التجميل، والمنظفات، والملابس؛ والأهم من ذلك منتجات العناية الشخصية مثل: الصابون السائل، وجل الاستحمام، والمقشر، ومعاجين الأسنان. أما المايكروبلاستيك الثانوي، فيأتي من مصدر ثانوي ناتج عن تفكك وتكسر النفايات البلاستيكية غير المُدارة مثل: الأكياس، والعلب البلاستيكية، وعبوات المياه، وإطارات السيارات. لذلك؛ فقد تدخل المايكروبلاستيك إلى البيئة بشكل غير مباشر من خلال مياه الصرف الصحي؛ حيث تؤدي الأنشطة المنزلية وأنشطة النظافة الشخصية إلى تسرب هذه الجزيئات إلى البيئة. وقد أكدت العديد من الدراسات المحلية والعالمية بأن عمليات معالجة مياه الصرف الصحي لم تُصمَّم لتستهدف هذا النوع من الملوثات؛ وبالتالي فهي غير قادرة على إزالة البلاستيك الدقيق بشكل تام. لذلك؛ فإن محطات معالجة مياه الصرف الصحي تُعتبر المصدر الرئيسي لدخول الجزيئات البلاستيكية الدقيقة إلى البيئة المائية.

خطر وجود المايكروبالستيك في البيئة المائية

أكدت الدراسات الحديثة بأن المايكروبلاستيك منتشرة بشكل هائل في النظام البيئي المائي؛ وقد تسربت إلى أجسام الحيوانات البحرية من خلال الابتلاع المباشر من مياه البحر. تخطئ الكائنات البحرية في اعتبار هذه الجزيئات البلاستيكية الصغيرة على أنها عوالق نباتية أو حيوانية قابلة للأكل. ونتيجة لذلك؛ تدخل المايكروبلاستيك في سلسلة الغذاء، مما قد يؤدي إلى تراكمها حيويًا في المستويات الغذائية العالية في الهرم الغذائي. وعلى عكس البلاستيك الكبير، قد يؤدي ابتلاع البلاستيك بحجم المايكروبلاستيك إلى أضرار غير مباشرة وغير مرئية للحيوانات. فعندما يبتلع الحيوان قطعًا من المايكروبلاستيك، قد يؤدي ذلك إلى انسداد في القناة المعوية، أو يتسبب في آثار جسدية أخرى مثل الالتهابات، والأمراض المعوية، واضطراب الغدد الصماء، وتأخر الإباضة، وفشل التكاثر، وحتى الوفاة. بالإضافة إلى ذلك، قد يحمل المايكروبلاستيك ملوثات كيميائية سامة وقابلة للتراكم الحيوي، ولها القدرة على الانتقال إلى كائنات أخرى عبر المستويات الغذائية. وأظهرت الأبحاث وجود المايكروبلاستيك في أجسام حيوانات مائية متعددة حول العالم، بما في ذلك الطيور البحرية، والسلاحف، والدلافين، والحيتان، بالإضافة إلى العديد من أنواع الأسماك والقشريات التي تعتبر مصدر طعام للإنسان منذ زمن بعيد. وقد يكون الاستهلاك المأكولات البحرية الملوثة بالبلاستيك آثارًا سامة خطيرة على البشر. لذلك، يعد دخول المايكروبلاستيك للسلسلة الغذائية خطرًا كبيرًا يهدد الإمدادات الغذائية البحرية، وصحة الحيوان والإنسان.

وعلى الصعيد المحلي، فإن الحياة البحرية في السعودية، بما في ذلك الأسماك والطيور البحرية، تتأثر بوجود المايكروبلاستيك في بيئتها الطبيعية. فالعديد من أنواع الأسماك المحلية قد تبتلع هذه الجزيئات، مما يؤدي إلى مخاطر صحية محتملة تشمل تلوث السلسلة الغذائية. حيث أظهرت بعض الدراسات وجود المايكروبلاستيك في معظم عينات الأسماك المحلية التي حُصل عليها من بعض الشواطئ والبيئات البحرية في البلاد، مما يشير إلى الحاجة الملحة لمراقبة هذا النوع من التلوث بشكل أكثر فعالية.

وللأسف، فقد أكدت العديد من الدراسات الحديثة وجود جزيئات من البلاستيك الدقيق في جسم الإنسان أيضًا؛ عن طريق فحص عينات من الدم والقلب والكلى والرئتين. وعلى الرغم من حتمية توغل المايكروبلاستيك إلى أجسامنا، إلا أن الآثار طويلة الأمد على صحة الإنسان ما زالت غير معروفة إلى حد كبير، وإن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد تلك الآثار.

الحلول الأولية للتلوث البلاستيكي

إن أول ما يمكن فعله لنتدارك هذا النوع من التلوث، ونحد من انتشاره، هو سد الفجوة المعرفية بين المستهلكين حول وجود البلاستيك الدقيق في بعض المنتجات، ونشر الوعي بضرورة اقتناء المواد الخالية من المايكروبلاستيك. قد تسهم الاستراتيجيات الوقائية بشكل كبير في تضييق نطاق المشكلة؛ حيث يمكن الحد من انتشار المايكروبلاستيك في البيئة بتقليل استهلاك المواد البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد وتشجيع اعتماد البدائل المستدامة. وهنا يأتي دور المنظمين وصانعي السياسات لتحسين التشريعات التي تهدف للحد من انتشار النفايات البلاستيكية. وتشمل هذه التدابير حظر الأكياس وأدوات الطعام البلاستيكية في منافذ بيع الأغذية والمشروبات، واستبدالها بأخرى قابلة للتحلل، أو إعادة الاستخدام. كذلك، يجب إعادة النظر في تصميم مراحل معالجة مياه الصرف الصحي، من أجل الحد من تسرب هذه الملوثات إلى البيئة المحيطة والتسبب في تلوثها؛ مما يؤثر على الكائنات البحرية. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي النظر في أساليب فعالة لرفع مستوى إدارة النفايات البلاستيكية، ومنع دخولها للمسطحات المائية، والشبكات الغذائية. وينبغي للمبادرات العامة، واللوائح المحلية، والتشريعات الدولية أن تتعاون لمنع استخدام المايكروبلاستيك في منتجات العناية الشخصية والمنظفات، ودعم الأبحاث لاستكشاف مواد بديلة خالية من المايكروبلاستيك.

ومن الجدير بالذكر، تتعاون المملكة العربية السعودية مع المجتمع الدولي لمواجهة هذه المشكلة، من خلال المبادرات الوطنية والدولية التي تهدف إلى الحد من استخدام البلاستيك، ورفع مستوى الوعي حول تأثيرات البلاستيك والمايكروبلاستيك على البيئة البحرية.

ومن المنظمات المحلية التي تسعى جاهدة لمكافحة تلوث المايكروبلاستيك تبرز «جمعية البيئة السعودية» التي تقوم بتنظيم حملات توعوية وتنظيف للشواطئ. كما تعمل الجمعية على تطوير برامج تعليمية تستهدف المدارس، والمجتمعات المحلية، لتعزيز أهمية الحفاظ على البيئة. بالإضافة إلى ذلك، تسهم «مبادرة البحر الأحمر» في جهود مكافحة التلوث من خلال مشاريع للحفاظ على النظم البيئية البحرية، بما في ذلك مراقبة مستويات المايكروبلاستيك في المياه. إن هذه الجهود تعبر عن التزام المملكة بمواجهة التحديات البيئية وتعزيز الوعي المجتمعي حول ضرورة الحفاظ على البيئة.

وبالإضافة إلى هذه اللوائح، فإن الحملات التثقيفية وبرامج التوعية التي تقوم بها المؤسسات التعليمية، وجهات العمل، للطلاب والموظفين تؤدي دورًا حيويًا في توفير معلومات قيمة حول كيفية الحد من النفايات، وتقليل استهلاك البلاستيك، وإعادة التدوير، وغيرها من الممارسات المستدامة. ومن خلال هذه الخطوات، يتم تثقيف المجتمع حول أهمية الحياة المستدامة، وتشجيع الأفراد على اتخاذ خطوات استباقية للحد من الآثار السلبية للملوثات البلاستيكية على صحة النظام البيئي والحياة الفطرية، والعمل الجاد لدعم بيئة أنظف وأكثر صحة للجميع.

الخاتمة

وفي الختام، فإن مشكلة المايكروبالستيك تمثل تحديًا بيئيًا خطيرًا يتطلب اهتمامًا عالميا لتحقيق بيئة اكثر صحة واستدامة فمن خلال تزايد إنتاج واستهلاك البلاستيك. أصبحنا أمام واقع حيث تتجمع كميات هائلة من هذه المواد في بيئتنا، مما يؤثر سلبًا على الكائنات البحرية وصحة الإنسان. يتطلب التصدي لهذا التحدي تكاتف الجهود على مختلف الأصعدة، بدءًا من زيادة الوعي بأهمية استخدام بدائل مستدامة، وصولًا إلى تحسين التشريعات والسياسات المتعلقة بإدارة النفايات، ومعالجة مياه الصرف الصحي.

وفي إطار رؤية المملكة 2030، تأتي جهود المملكة لتبني سياسات بيئية أكثر استدامة، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية الحد من التلوث البلاستيكي، لضمان حماية بيئتنا وصحتنا، وضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة. حيث تسعى الرؤية إلى تحسين جودة الحياة وحماية البيئة، مما يتطلب تبني استراتيجيات فعالة للحد من استخدام البلاستيك، وتعزيز إعادة التدوير، والتوجه نحو بدائل مستدامة.

من الضروري أن تتعاون الحكومة مع القطاع الخاص، والمجتمع المدني، لنشر الوعي وتحفيز الابتكار في مجال المواد البديلة. وتُعتبر الحملات التثقيفية والتعاون بين الدول من الخطوات الأساسية لتحقيق تغيير فعّال. كما أن البحث عن مواد بديلة خالية من المايكروبالستيك يُعد خطوة محورية نحو مستقبل أكثر استدامة. لذا، يجب علينا جميعًا العمل بجدية نحو تحقيق أهدافنا البيئية، من خلال التعليم والتثقيف، وتنفيذ التشريعات المناسبة، واستكشاف الحلول الإبداعية. إن دعم الجهود الدولية والمحلية لمكافحة المايكروبالستيك سيسهم في تحقيق بيئة أنظف وأكثر صحة للأجيال الحالية والمستقبلية.