
يقول الشاعر العباس ي أبو الطيب المتنبي:
(عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِم … وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ الَمكارِم
وَتَعظم في عَينِ الصَغيرِ صِغارها … وَتَصغر في عَينِ العَظيمِ العَظائِم)
في ظاهرها، تُحلّق هذه الأبيات في سماء الفخر والاعتزاز، لكنها في جوهرها تُضيء حقيقة نغفلها كثيرًا: أن ما نفعله ونظرتنا للفعل ما هي الا مرآة لما نحن عليه من عزمٍ أو تراخي. فما يبدو عقبة عظيمة في عين أحد، قد تكون خطوة صغيرة في طريق من صلُب عوده واشتدّ عزمه. لكن يبقى السؤال الأهم :كيف نصبح من “أهل العزم”؟ وكيف نتفادى ان يكون عزمنا مجرّد شعلةٍ تلمع في البدايات، ثم تضمحل في دروب التعب والانشغال؟
لطالما شغلتني أسرار الناجحين: ما الذي يجعل بعضهم يثبُتون في الطريق، بينما يتساقط آخرون على أعتاب البدايات؟ ظننتُ في البداية أن الطموح هو الجواب. لكنني أدركت لاحقًا أن الآمال لا تكفي، فالعالم مليءٌ بأصحاب الأحلام الكبيرة، وقليلٌ فيه من يُتقن السير إليها كل يوم، بصمتٍ وثبات.
بعد سنواتٍ من الملاحظة والبحث والتقصِّّي، اتضح لي أن الطموح لا يعدو أن يكون شرارةً أولى. أما الدافع الحقيقي للنجاح، بعد توفيق الله، فهو الانضباط. ذلك الذي يجعل العزمَ قوةً دافعة، لا نزوةً عاطفية.
الانضباط ليس قيدًا يُكبّلنا، بل هو الممكن في عالمٍ تتنازعه الملهيات .هو أن تعمل بدلًا من أن تتفاخر أمام الآخرين بخططك وأهدافك المستقبلية. هو أن تفي بالوعد الذي قطعته على نفسك ولو خذلك المزاج ونام من حولك ونادى عليك التسويف بألف صوت. هو أن تلتزم، لأنك قررت أن تبني لنفسك مستقبلًا يليق بأحلامك.
العزم شرارة، والانضباط نارها التي لا تنطفئ
العزم لا يُقاس بالحماس، بل بما تفعله بعد انطفاء تلك المشاعر المندفعة. لا يُقاس بالكلمات، بل بالفعل الذي يتكرّر. لا يُقاس بالركض السريع في أول المضمار، بل السير بخطوات صغيرة لا تتوقف حين يطول الطريق. الانضباط هو أن تنهض باكرًا، لا لأنك نشيط، بل لأنك وعدت نفسك ألا تخون حلمك.
الانضباط هو أن تقرأ، وتتعلم، وتتدرّب، وتبني طموحك، ولو لم تكن في مزاجٍ عالٍ، لأن العزم الصادق لا يحتاج إلى ظروف وطقوس مناسبة، بل إلى عزيمة ركيزة.
كم من مشروع مات في قلب صاحبه بعد أول معضلة؟ كم من فكرة خمدت لأنها لم تجد في صاحبها صبرًا على عاداتٍ ينيرها للحياة؟ وكم من شخص عاديّ، بلا ضجيج ولا صخب، تكرّر فعله القليل، فصار عظيمًا، وتحوّل حلمه إلى أثرٍ حيّ؟
المنضبط لا ينتظر الإلهام، بل هو من يصنع الإلهام بأفعاله .لا يقول: “الظروف ضدي، لولاها لنلت طموحي” بل يسأل: “ماذا أفعل اليوم لأقترب خطوة الى هدفي؟” إنه الذي يعمل في البرد والحر، في التعب والنشاط، لأن هدفه لا يعلّقه على ظرف، بل يربطه بذاتٍ أكبر من المزاج: ذاتٍ مؤمنة أنها ستُضيف وتعمر في هذا الوطن، لا لتعيد تكرار أفعال الآخرين.
أخطر ما يواجه العازم ليس ضيق الوقت، ولا ثقل المهمة، بل ذلك الصوت الخفيّ الذي يهمس: “ابدأ غدًا، فلستَ في حالتك المثالية اليوم.” هذا هو الكسل، متخفيًا في هيئة منطق. هو خيانة طفيفة للحلم، تبدو كراحة، لكنها في حقيقتها تأجيلٌ مزمن للمصير.
المجد يبنى على مدار الأيام، لا بين ليلة وضحاها
الانضباط ليس لحظةً بطولية، بل مجموعة من القرارات الصغيرة المتراكمة .أن تغلق هاتفك لتقرأ وتتعلم، أن تترك مشاهدة فيلم من أجل ان تعمل على مشروعك، أن تقطع على نفسك وعدًا وتلتزم به، أن تعيد المحاولة ولو فشلت عشرات المرات، أن تبدأ ولو تأخرت، أن تُعيد البناء ولو تهدّم جزءٌ من الطريق. لا تستصغر خطوة واحدة صادقة، فإن العمران شُيّدت من حجارة متفرقة، والمجد الحقيقي لا يُنال إلا بالتكرار والتحسين.
لا تنتظر لحظة فارقة، اصنعها. لا تنتظر أن تصلُح الظروف، بل أنمو أنت رغمها. ولتكن لك رؤية واضحة، كن صادقًا مع نفسك: “من أريد أن أكون؟” واجعل كل عادة، كل صباح، كل رفضٍ للتسويف، إجابةً عملية لهذا السؤال.
ختامًا… المجد لا ينال إلا بصبرٍ مرّ
الطريق ليس معبّدًا، ولا النجاح سهل المنال. التحديات كثيرة، والملهيات أكثر. من ذاق مرارة الصبر والانضباط، عرف لذّة الإنجاز. ومن صبر على تكرار العادات، كوفئ بالتحوّل بحياته. من سار درب المجد، عرف أن المجد ليس ضوءًا في نهايته، بل نورٌ يصاحبه كلما ثبت في الظلام.
يقولون “من سار على الدرب وصل”، وأقول “من سار على درب المجد، انضبط”
وكما يقول الشاعر:
“لا تحسَبِ المجدَ تمرًا أنتَ آكله … لن تبلغَ المجد حتى تلعَقَ الصَّبِرا”
ستأتي يوم تنظر فيه إلى الماض ي، فإما أن تقول”: ليتني بدأت”، أو “الحمد لله أني انضبطت.” اصبر على الطريق، حتى يصبح الطريق ذاته شاهدًا على ما كنتَ عليه. اجعل من العزم رفيقك ومن الانضباط خُلقك، ولا تنتظر الإلهام … كن أنت من يلهم.