مقابلة مع أ. أمين الناصر

تتطلب بيئة عمل اليوم مزيجًا فريدًا من الصمود والمرونة من العاملين فيها. كيف تصف العقلية المطلوبة من الموظفين للتكيف والنجاح في هذه الظروف

دعنا نتفق بدايةً أن بيئة العمل اليوم عرضة لتغيّرات وتحديات مستمرة، وهذا يتطلب قدرة فائقة على التكيف مع هذه التحديات، وما أكثرها، كما يتطلب قدرة على الصمود والتعافي والنهوض سريعًا من العثرات للمضي الى الأمام بثقة وصلابة. لهذا أقول إن الشخص الصامد ليس فقط مثابرًا، بل هو أيضًا من يتعلم من التحديات ويبني عقلية قادرة على التكيف السريع والتعامل مع المصاعب. وأعتقد أن الصمود والنجاح في هذه البيئة يرتكز على صفتين أساسيتين: المرونة والقوة. أن تكون قادرًا على التكيف والتفكير السريع، وفي الوقت ذاته تمتلك شعورًا قويًا بالهدف، وهو ما يساعدك على النهوض والتعافي وتجاوز التحديات وأنت أكثر صلابة خاصة في الأوقات الصعبة. وأرى أن أي شخص يسعى إلى التحلي بهذه الصفات، أيًّا كان مجال عمله أو تخصصه، لا بد له أن يتقن إدارة الضغوط وأن يتحلى بالحسم في اتخاذ القرار.

ما التجارب المهنية التي ساعدتك على صقل مهارات المرونة والتكيف لديك؟ وماذا تعلمت منها؟

كنت محظوظًا بالحصول على العديد من الفرص والتجارب التي ساعدتني على بناء قدراتي الشخصية، فيما يخص المرونة والقدرة على التعافي بصمود وصلابة، وسرعة التكيف خلال مسيرتي المهنية. جزء من ذلك يعود إلى رغبتي الدائمة في تحدي نفسي. أتذكر -على سبيل المثال- خلال سنواتي الأولى في أرامكو، تعمّدت اختيار مهمة في مواقع بحرية، وكنت قد تلقيت نصيحة ثمينة من زملاء ذوي خبرة قالوا لي إن العمل مهندسًا للبترول في البحر سيمنحني خبرة لا تضاهى بأي مهمة أخرى في المناطق النائية؛ وقد كانوا محقين فيما نصحوا به، وكم كنت سعيدًا بالإنصات إليهم والعمل بنصيحتهم؛ فالتجربة لا تقل أهمية عن التعليم. بالطبع، لم تكن المهمة مريحة أو سهلة، ولكنها كانت ذات قيمة كبيرة بالنسبة لي، فمواجهة الصعوبات وإدارة التحديات في مختلف الظروف هي أحد أفضل السبل لبناء المرونة الشخصية. عندما أنظر إلى أرامكو اليوم، أرى عديد من الموظفين الشباب يعملون في أماكن نائية. إنها ليست من المهام الأكثر بريقًا، بل هي مهام شاقة. هؤلاء الموظفون يقومون بأعمال تتطلب مجهودًا كبيرًا، وغالبًا في درجات حرارة عالية جدًا. كما أنهم بعيدون عن الأهل والأصدقاء، ومنقطعين عن مظاهر الراحة والرفاهية التي توفرها حياة المدن. ومع ذلك، فإن كل واحد منهم يواجه هذه التحديات بذهنية أكثر قوة ومرونة وصمودًا. ومن المرجح جدًا أن هؤلاء الأفراد سيتفوقون على أقرانهم في الجيل نفسه ممن لم يمروا بتجارب تُنمّي هذه القدرة على التكيف.

تعمل شركتنا اليوم في ساحة عالمية معقدة وكثيرة التقلبات. كيف ترى مرونة أرامكو في هذه البيئة؟ وما هي العوامل التي تدعم مرونتها المؤسسية؟

هذا سؤال جيد أحييك عليه، وسأعطيك مثالًا يبرهن على مرونة الشركة وقدرتها وجاهزيتها المستمرة؛ تذكرون الهجمات التي تعرضت لها منشآت أرامكو في بقيق وخريص في سبتمبر 2019، هي بلا شك أبرز مثال على مرونتنا وقدرتنا على التكيف. وعندما أقول “مرونتنا”، فأنا أعني مرونة قياداتنا على جميع المستويات، وكذلك مرونة الشركة ومرونة أصولها ومرافقها، ومرونة وجاهزية فرقنا الاحترافية ومواردنا البشرية الموهوبة من مختلف المستويات الوظيفية. فحين علم العالم بما حدث ورأى الأضرار، قفزت أسعار النفط بأرقام مزدوجة عند افتتاح الأسواق في ذلك الأسبوع، وكان من المتوقع أن يستغرق الأمر شهورا أو حتى سنوات للتعافي. ما لم يدركه الكثيرون – وما لم يكن العالم يقدّره بعد – هو مدى متانة أرامكو وسرعة تعاملها بمنتهى القوة والمرونة في هذه الأزمة. ولله الحمد، لم تكن هناك أي إصابات خطيرة أو خسائر بشرية. وتم استئناف الإنتاج في خريص خلال 24 ساعة، وتبعته بقيق بفترة وجيزة. كما تم استدعاء كوادر وجلب معدات وموارد إضافية من أنحاء أخرى من الشركة، مما ساعد على تسريع وتيرة التعافي. وكنتيجة لذلك، استعدنا مستوى الإنتاج لما قبل الهجمات خلال 11 يومًا فقط، ولم يتم إلغاء أو تأخير أي شحنة لعملائنا الدوليين. كلمة السر وراء هذا التعافي السريع والكامل هي مرونة قياداتنا على جميع المستويات؛ لقد مُنح الأشخاص الصلاحيات لاتخاذ قرارات سريعة، وكانوا مدرّبين جيدًا وعرفوا تمامًا ما يجب عليهم فعله في اللحظة المناسبة. لقد خضعت قدرتنا المؤسسية على المرونة لاختبار حقيقي. فعلى مدى سنوات، بنينا سلسلة إمداد محلية سمحت بجلب المعدات والموارد بسرعة. ويجب أن اشيد أيضًا بمرونة أصولنا – فلدينا الأنظمة المناسبة، وخطط الاستجابة للطوارئ، والأشخاص المدرّبون على تفعيل هذه الخطط وقت الحاجة. كانت منشآتنا ومعداتنا تحظى بصيانة دورية، وهذا ضمن جاهزيتها باستمرار وعند الحاجة. على سبيل المثال، منشأة بقيق – التي تعالج أكثر من نصف إنتاجنا اليومي من النفط الخام – مزوّدة بنظام أمان فعّال ساعد في تحويل أغلب الوقود بعيدًا عن موقع الحريق عندما وقعت الهجمات.

كان العالم يراقب ويترقب — بينما كنا ننجز المهمة بصلابة ونجاح منقطع النظير. ويجدر بي أن أذكر أننا تعافينا من هذه الهجمات خلال فترة كنا فيها تحت محط أنظار العالم، حيث سبقت الطرح الأولي لأسهم الشركة ببضعة أشهر. البعض قلّل من قدرة أرامكو على التكييف، لكننا أثبتنا خطأ هذه التوقعات، ولم تُثنِنا تلك الهجمات عن المضي قدمًا في طرح أسهمنا كما خُطّط لها.

أخيرًا، هل تعتقد أن قدرة الصمود، والتكيف، والمرونة تختلف من جيل إلى آخر؟

من الطبيعي أن تكون هناك بعض الاختلافات بين الأجيال، وأعتقد أن قدرة الأفراد تتأثر بطبيعة التحديات التي يواجهها كل جيل، ومع ذلك يبقى جوهر الأمر واحدًا، وهو قدرة كل جيل على التأقلم مع العثرات، والصمود في وجه التحديات، بل وتجاوزها. وهذه أمور طبيعية ومن صميم الحياة بدوراتها وتقلباتها، صعودًا وهبوطًا، انتصارًا وانكسارًا.

وهذا أمر بالغ الأهمية في وقتنا الحالي، خاصة في ضوء التحديات الكبيرة والمستمرة التي يواجهها الأفراد، وتواجهها الشركات والقطاعات على حد سواء. خذ على سبيل المثال النمو المتسارع للذكاء الاصطناعي. فبعض الدراسات تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يرفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة %14 بحلول عام 2030. التقديرات نفسها تؤكد قدرة الذكاء الاصطناعي على تحويل قطاعات بأكملها وتغيير طبيعة وظائف ملايين الأشخاص، خاصة وقد بدأت أكثر من نصف الشركات بالفعل في تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في بعض مجالات أعمالها. وهناك توقعات تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيخلق وظائف جديدة أكثر من تلك التي قد يتم الاستغناء عنها. من الواضح أن الذكاء الاصطناعي يفرض – وسيواصل فرض – تأثيرًا كبيرًا، مما يعني أيضًا أن هناك فرصًا كبيرة أمام من يمتلكون المرونة الكافية لمواكبة هذا التغيير. أمام العالم تحدٍّ آخر هو التغير المناخي. ففي قطاع الطاقة، نواجه ضغوطًا متزايدة للحد من الانبعاثات. وفي الوقت ذاته، لا يزال يُطلب منا أن نواصل ما قمنا به لعقود، وهو توفير طاقة موثوقة وآمنة وكافية لخدمة مليارات البشر حول العالم وبأسعار معقولة تراعي قدرات الجميع، خاصة بلدان جنوب العالم. الحقيقة الواضحة هي أنه لا توجد صناعة أخرى تسهم في تقدم البشرية والنقل والتجارة كما تسهم صناعة الطاقة. أضف عليها حقيقة أخرى وهي أن النفط والغاز لا يمكن استبدالهما بالسهولة أو السرعة التي يتخيلها البعض. ففي ظل النمو الذي تشهده اقتصادات الدول النامية وارتفاع مستويات المعيشة فيها، فإن تلبية الزيادة المقابلة في حجم الطلب على الطاقة لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مزيج من المصادر التي تشمل النفط والغاز. لذا سيظل النفط والغاز ضمن مزيج الطاقة العالمي لعقود قادمة. وفقًا لهذا التصور الأكثر واقعية، يعد قطاع الطاقة المجال الأمثل لمن يريد أن يُحدث أثرًا كبيرًا في خدمة البشرية، وأن يسهم في إيجاد حلول عملية وواقعية لمواجهة تغير المناخ. وبالطبع، النجاح في تجاوز هذا التحدي، يتطلب صمودًا ومرونة وقدرة فائقة على التكيف. وأرى أن الأجيال الجديدة محظوظة كثيرًا، ليس فقط لأنها تشهد هذه التحديات والتغيرات السريعة المتلاحقة؛ بل لأنها تشارك بوعي ونضج رقمي في التعامل معها وتحويلها إلى فرص.