في أول أعداد مجلة “ذرّة”، نقدم لقاءً استثنائيًا مع الدكتور سليمان الماضي، العالم الرئيسي في أرامكو السعودية، والمخترع الحائز على جوائز دولية، وأحد أبرز رواد التطوع المعرفي.
يمتلك الدكتور سليمان خبرة تزيد عن 30 عامًا في الهندسة، والتخطيط، والشبكات والأتمتة، ويحمل الدكتوراه في نظام أتمتة ومحاكاة الشبكات، وحمل العديد من براءات الاختراع. شارك بأدوار قيادية في تطوير المقاييس والمعايير الهندسية، إضافة الى تطوير وتنفيذ التقنيات المتقدمة في أرامكو السعودية والعديد من الجمعيات المهنية مثل ISA, SPE, IEEE, CMAS.
تميز أيضًا في التطوع وتنمية الشباب، حيث دعم تطوير مهارات التواصل والقيادة لأكثر من 3000 طالب وطالبة، وأشرف ودعم أكثر من 320 ناديًا لـ “توست ماسترز” في المملكة. كما ساهم لأكثر من 20 عاما في الجمعية الدولية للأتمتة وحقق نجاحا عالميا في دعم هذا المجال على الصعيد المهني والأكاديمي حيث حصد الفرع السعودي للأتمتة أعلى درجات التميز دوليا وأقام في نشر هذا المجال في عدة جامعات سعودية وعربية، رافعا راية المملكة عاليا في الساحة الدولية ومبرزا اسهاماتها في هذا المجال.
كيف ترى العلاقة بين العمل التطوعي وتمكين الأفراد في تطوير مهاراتهم العلمية والعملية؟
العمل التطوعي يُعد مساحة خصبة لتطوير الذات قبل أن تتاح لك الفرص المهنيّة. بدلًا من انتظار سنوات حتى تتولى مسؤولية قيادة فريق أو التخطيط لمشروع، يتيح لك العمل التطوعي هذه التجارب من بدايتك.
أنا شخصيا بدأت مسيرتي التطوعية منذ أكثر من عشرين عامًا، وانضممت إلى منظمات تطوعية متخصصة في القيادة والخطابة، وأخرى في المجالات التقنية. كل منها أضافت لي بُعدًا مختلفًا — في المهارات، في العلاقات، وحتى في طريقة التفكير. هذه التجارب صنعت تسارعًا في نموي المهني، بل وحتى الشخصي، وجعلتني أصل إلى مواقع قيادية في مؤسسات تطوعية كبيرة، وهو أمر ربما كان سيتأخر 20–30 سنة لو اعتمدت فقط على المسار الوظيفي. ومن تجربتي، أقول بثقة إن العمل التطوعي لا يمنحك فقط الخبرة، بل يفتح أمامك أبوابًا لم تكن لتُفتح بسهولة في المسار الوظيفي التقليدي.
ما الأثر الذي وجدته عند من يشاركون في مبادرات تركّز على نشر العلوم باللغة العربية؟
للأسف، نحن ما زلنا مقصرين في دعم اللغة العربية علميًّا، رغم الحاجة الماسة لذلك.
من تجربتي، أسّست أكثر من 65 ناديًا للخطابة منها أندية ناطقة بالعربية في المملكة، ووجدت أن كثيرًا من الناس لا يستطيعون متابعة المحتوى الإنجليزي. اللغة العربية هي لغة الأم، ولها قدرة هائلة على إيصال المفاهيم إلى أوسع شريحة من المجتمع.
وما تقومون به في ذرّة ليس مجرّد ترجمة أو تبسيط، بل هو زرع لبذور نهضة معرفية. أنتم اليوم تبنون أساسًا يمكن أن يحمل جيلًا بأكمله نحو الوعي والعلم بلغة يفهمها ويحبّها.
كونك مخترعًا، هل ساهم العمل التطوعي في تعزيز قدراتك الابتكارية؟
بكل تأكيد. العمل التطوعي لا يقتصر على العطاء فقط، بل هو مساحة تغذّي الفضول، وتوسّع الأفق، وتجعلك ترى التحديات من زوايا جديدة. عندما تتطوع في بيئة مختلفة، أو تحاول تبسيط مفهوم علمي، فإنك تدرّب نفسك على التفكير النقدي والإبداعي.
كثير من المهارات التي ساعدتني على تحويل الأفكار إلى اختراعات، بدأت من خلال التطوع.
الابتكار ليس فقط فكرة جديدة، بل هو القدرة على تحويل الفكرة من مجال الى مجال اخر وجعلها فعالة من حيث التكلفة وهي احدى الطرق التي يمكن تحقيقها من خلال العمل التطوعي.
كيف يمكن لمبادرات مثل ذرّة أن تخلق بيئة محفّزة للإبداع والتطوير الشخصي؟
أنتم اليوم لا تكتفون بصناعة المحتوى، بل تضعون نموذجًا فعليًا في كيفية تقديم المعرفة بصورة مبسطة وجذابة.
لقد اطّلعت على ما تقدّمه “ذرّة” من مقالات موجّهة لجميع الفئات العمرية، مصاغة بلغة واضحة وسهلة، وهذا بحد ذاته إنجاز.
إضافة إلى ذلك، وجود بودكاست ذرّة يؤكد أن المبادرة تمضي بخطى ثابتة نحو تقديم العلم بصيَغ متنوعة، سواء كانت مكتوبة أو مسموعة. كما أن تنظيمكم لجلسات حوارية مباشرة مع نخبة من المختصين يعكس حرصكم على تعزيز التفاعل، وإيصال المعرفة من أهلها إلى المجتمع بطريقة حيّة وملهمة. هذه النماذج ليست فقط أفكارًا، بل واقع ملموس يدل على احترافية الفريق وصدق الرؤية
ما أهمية نشر العلوم باللغة العربية، في ظل التحديات اليوم؟
تشهد المنصات الأكاديمية والتقنية اليوم هيمنة للغة الإنجليزية، إلا أن هذا الواقع ليس دائمًا. فاللغة ليست حاجزًا، بل أداة وفرصة، وكل أمة تمر بمرحلة تستعيد فيها لغتها كمحور للعلم والثقافة.
نحن نتحدث عن مجتمع عربي يفوق عدده 450 مليون نسمة، وهذه شريحة بالغة التأثير لا يمكن تجاهلها.
حين يُقدَّم المحتوى العلمي بلغة واضحة، موثوقة، ومحايدة، فإنه يمتلك القدرة على الوصول إلى كل بيت، ويصنع أثرًا يتجاوز الحدود الجغرافية. وما تقومون به في “ذرّة” ليست جهودا محليًا فقط، بل خطوة ضمن مشروع معرفي عربي واسع النطاق.
ما الذي يجعل من التطوع في مجالات المعرفة تجربة أكثر عمقًا وأثرًا من غيرها؟
لأنها لا تُغيّر الآخرين فقط، بل تغيّرك أنت.
العمل المعرفي يصقلك فكريًا، ويدربك على الصبر، ويعزز حسّك النقدي.
عندما تبدأ بالقراءة، ثم تشرح وتناقش، فترى الأثر على الآخرين، تتكوّن لديك هوية فكرية قوية.
أنا شخصيًا أشعر أني مزيج من اللغة العربية والإنجليزية، بل إنني أحيانًا أحلم بإحداهما دون الأخرى، وهو ما يعكس مدى تأثير اللغة في تشكيل الوعي.
لطالما كان للمحتوى العلمي العربي دورٌ محوري في إلهام الأجيال، كما كان الحال مع البرامج التي تركت بصمة في الذاكرة الاجتماعية مثل برنامج “العلم والحياة”.
اليوم، نحن بحاجة إلى استعادة هذا الدور من خلال محتوى معاصر، موجه للشباب، وقائم على مبادئ الوضوح والجاذبية والعمق العلمي — تمامًا كما تفعل مبادرتكم ذرّة.
ما نصيحتك للشباب الذين يفكرون في الانضمام لمبادرات معرفية تطوعية؟
لا تنتظر أن تصل الستين حتى تعطي! ابدأ الآن. ساعة، ساعتين في الأسبوع. العمل التطوعي في المعرفة هو عطاء، ونمو، وأجر. والأهم: لا تتوقع المكافأة مباشرة. التطوع الحقيقي ليس للمقابل، بل للأثر. الإنجاز ليس ما تكسبه، بل ما تتركه.
وازن بين حياتك الشخصية والعطاء، وكن شفافًا مع من حولك، وادمجهم معك في هذه الرحلة. حين يرون الأثر، يصبحون أكبر داعم لك.
كيف ترى مستقبل العمل التطوعي في دعم الابتكار وتمكين الجيل الجديد؟
أعيش هذه اللحظة بكثير من الثقة: المستقبل أمامنا، والإمكانات أكبر مما نتخيل.
ما نشهده اليوم في المملكة والمنطقة من مبادرات معرفية وتمكين للمحتوى العربي يُعد تحولًا واعدًا، ويأتي منسجمًا مع مستهدفات رؤية المملكة الحبيبة 2030 في دعم الابتكار، وتمكين العقول الشابة، وتعزيز مكانة اللغة العربية.
ولو تحققت نسبة بسيطة من هذه الجهود، فإن ملامح اللغة العربية في مجال العلوم ستشهد تطورًا ملحوظًا.
مبادرة ذرّة تمثل نموذجًا من هذا التوجّه، وتسهم في توسيع دائرة الوعي العلمي بلغة يفهمها الناس ويثقون بها.
في ختام اللقاء، عبّر الدكتور الماضي عن ثقته بأن المستقبل يحمل للغة العربية مكانًا مستحقًا في فضاء العلوم، وأكد أن ذرّة تفتح نافذة جديدة لعودة اللغة العربية إلى قلب الساحة العلمية بأسلوب حديث وقريب من المتلقي.