جلسة حوارية مع أ.عبدالله جمعه

من هذا المنطلق وُلِدَ هذا اللقاء مع الأستاذ عبد الله جمعة في مناسبة تعجّ بالفخر، أساسها اللغة العربية 

وكأنّ  الحديث من سلاسته وحُسن لغته العربية الفاتنة قد رتبّ نفسه بنفسه وأبدع بتسلسله وسحره أيّما إبداع. 

ولأنّ العربية تستحقّ؛ كان هذا اللقاء، والطرح الماتع: 

10 اقتباسات تتكون من 3-5 أسطر: 

بينَ دفاّتِ كُتبُِ ابن المقفّع تجوّل ضيفنا وذكّرنا بما نسُِيَ فقال:  

1.     “الغريب أنني تعلمت اليوم عندما نذهب إلى الجامعات ونجلس مع خبراء الإدارة ويتحدثون إلينا عن hard skills والsoft skills كأنها مبادئ حديثة. المهارات الصلبة والمهارات الناعمة، وإن لم تكن بهذا الاسم، عرفها العرب منذ 1400 سنة. عبد الله بن المقفع في الأدب الصغير والأدب الكبير يتحدث عن نوعين من المعارف؛ فيسمي المعارف التي أتصورها على المحور الرئيسي علم المنافع وعلم العقول”.

على لسان العربيةِ قال شاعرٌ بلسانٍ مِلْؤُهُ الأسى: 

“اسألوا عني ترُاثاً لو حفظتم  

عشُْرَهُ، ما  كنتم  اليومَ  جُثيِاَّ”  

فلم يغفل الأستاذ عبد الله جمعة عن استذكارِ  مثالٍ رائع: 

2.     “أنا كنت منذ فترة أقرأ رواية من أشهر روايات الإيطالية اسمها الخ طيبان وهي تتحدث عن الوباء الذي أصاب ميلانو في 1620 على ما أعتقد. وكان العطارون يكتبون على بعض أدويتهم حرو ف ا عربية  ليظ ن  الناس أن هذا الدواء جاء من البلاد العربية. آنذاك كانوا يؤمنون أن العلم موجود عند العرب ولا غروا فإن أول جامعة في العالم كانت في البلاد العربية في المغرب “.

نسمع دائمًا بأننا إن أردنا أن نأمن مكر قومٍ نتعلم لغتهم، ولكن بقوله التالي يفتح الضيف أفقاً جديدة ومبرّرات أخرى تجرّنا لرؤية مملكة ومقاصد سامية كذلك:  

3.     “فنحن راجعون على الطائرة كنت أقول أنه لا يمكن أن نتعامل مع شعوب العالم بدون أن نعرفها ونعرف لغتها ونعرف تاريخها ونعرف كيف نتعامل معها ونعرف ماذا يحركها. فاقترحت أن نرسل شبابنا إلى الصين. …لم أكن أريد أن أرسل إلى الصين شبا  با وشابات ليدرسوا الهندسة، كنت أريدهم أن يدرسوا العلوم الإنسانية.

كنت أريد أن يدرسوا التاريخ أن يدرسوا الفلسفة الصينية أن يدرسوا الآداب الصينية لأننا كنا نريد أن نعرف هؤلاء الأشخاص ماذا يحركهم “.

عن عذوبة اللغة يُحدّثُنا، وعن شاعريتها.. فلا عجب أن يبحث العربي والأعجمي عن سحرها وبيانها في الشعر العربي الأصيل، كما فعلت الطالبة المذكورة:  

4.     “وعندما دخلت إلى الفصل ]في كوريا[ قامت إحدى الطالبات وقالت لي بلغة عربية سليمة هل لي أن أقرأ قصيدة باللغة العربية؟ …لكنني عندما نظرت إلى السبورة وجدت أنهم لا يدرسون اللغة كما ندرسها ألف باء. وجدت أن الكلام الذي يتحدثون عنه هو العقود وكيف تكتب هذه العقود وما هو المهم في ذلك اليوم كانوا يدرسون كيف يكتبون العقود باللغة العربية وكيف يفهمونها” .

يبرهن لنا ضيفنا أنّ من تعلّم العربية لا محالة متعلقٌّ بها، منغمسٌ منغرسٌ فيها. الأمثلة كثيرة، ولكنه شاركنا أحدها:  

5.     “إحدى الفتيات التي كنا من هذه المجموعة بعد سنين تلقيت في البريد الإلكتروني رسالة تقول لي ربما لا تتذكرني. وإنما كنت أنا من الط لاب والطالبات الذين زرناكم في المملكة وهذه الزيارة غيرت مجرى حياتي. فأنا قد عشقت اللغة العربية وأصبحت المترجمة الأولى لرئيس الجمهورية للغة العربية وأنا الآن السكرتير الثاني في السفارة الكورية في الرياض “.

كبركة الماء الراكدة هو مخّ الإنسان  المتعطّل؛ إن لم تحر ّكّها فلن تجد منها منفعة، يتساءل ضيفنا ما إذا كنا نجد الوقت أو نوفّره للقراءة وتحريك هذا السكون؟ 

6.     “كنت أقول أنني قرأت مقالة   صباح هذا اليوم أرسلها أحد  الأصدقاء وهي لباحثة في إمبيريال كوليج وقالت أنه لقد سكن الآن في أوكسفورد ديكشينيري مفهوم اسمه تعفن المخ. وهو أن مخ الإنسان لأنه لا يستطيع أن يفكر على مدى طويل فصار يتخسر وصار الإبداع يقل. …فحقيقة القراءة هي ربما المدخل إلى كل شيء لكن هل نستطيع أن نوفر الوقت؟”.

ولأن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم، ولا أبدع ولا أبلغ من لغته ،فسحر العربية وكلّ بيانها فيه، فمن أين نحصل على كلّ هذه البلاغة والجمال إلا منه؟ لذلك يرى الضيف أنّ الاستماع للقرآن أهم وسائل الإلمام باللغة ويقول:

7.     “أنا أرى أن الاستماع إلى القرآن الكريم يعني ضعوا وق ت ا أغلقوا على أنفسكم وضعوا القرآن الكريم واستمعوا إليه. هناك فرق بين الاستماع إلى القرآن وقراءة القرآن. أنا أرى أن الإنسان يتعلم أكثر لأن الاستماع يحفز المخ لأسئلة كثيرة، الإلمام باللغة أكثر أنا أراه من الاستماع “.

عرّج على أهمية القيم، وأن الكلّ يحوي بجعبته قيمًا كثيرة، حتى وإن رأيته وحيدًا مُهمَلاً:

8.     “القيم مهمة على مستوى الفرد وعلى مستوى العائلة وعلى مستوى المجتمع. فمثلت لهم بقصيدة من الشعر العربي منسوبة إلى الحطيئة…. الخلاصة هي أن في المحصنة الأخيرة نأتي إلى أن حتى هذا الشخص الذي ليس حوله أحد لديه قيم “.

أثرانا عبد الله جمعة بكتابٍ تأثرّ بهِ كثيرًا حتى أنه قام بترجمته، وهو ملحمة قلقامش الذي يتح ّدّث عن قضية مهمة وردت في حديثه التالي:

9.     “ملحمة قلقامش لا أدري تأثرت بهذا الكتاب كثي  را وكنت أقرأه كثي  را لأنه يطرح قضية.. هي القضية التي نطرحها كل يوم؛ الحياة والموت وقصر الحياة والعلاقات الإنسانية. فأعجبت بهذا الكتاب وبعد أن عملت في أرامكو كانت لدي مهمة في بقيق لمدة سنة…. فبالليل ليس هناك شيء أعمله فبدأت أترجم هذه الرواية “.

وحينَ وصلَ للمشاعر الصعبة شاركنا بأثقل موقفٍ عاشه في عمله: 

10.  “فجاء والده إلي  وجلس أمامي وسألني قل لي من تسبب في مقتل الإبن. هذا ربما الموقف الأصعب في حياتي. ماذا تقول له؟ تقول له نحن نحقق ونحن شكلنا لجنة؟.

هذا موقف إنساني وأنا أرى كلما أتذكر ما هو الموقف الأشد الذي قابلته في عملي هذا هو الموقف الذي لا يمكن أن أنساه “.