قطرة نفط

كانت على عمق ستة كيلومترات داخل قشرة الأرض هي اليوم بين أيدينا.

د. زهراء المرهون

عن ماضينا النفطي:

تبدأ قصة هذه القطرة منذ ملايين السنين عندما بدأت تتكوّن داخل قشرة الأرض بمفعول عمليات جيولوجية على كمية كبيرة من البكتيريا والطحالب والمخلوقات الحيوية العضوية، ونتيجة الضغط والحرارة العالية وغياب الأكسجين تحولت هذه المواد العضوية إلى مادة شمعية تُعرف بالكيروجين. ومع زيادة الضغط والحرارة، يتحول الكيروجين إلى النفط الخام. إنه سائل لزج يتراوح لونه بين الأسود والبني الداكن، ويتكوّن النفط بشكل أساسي من خليط معقّد من الهيدروكربونات، وهي مركبات كيميائية تتألف من الكربون والهيدروجين.

أبصرت أول قطرة نفط اقتصادية النور في المملكة العربية السعودية في ثلاثينات القرن الماضي بعد نجاح إنتاج النفط بكميات تجارية من بئر الدمام رقم 7، التي أُطلق عليها اسم “بئر الخير”. ومنذ ذلك الحين بدأ استخدام النفط كوقود لتشغيل المركبات، كالبنزين والديزل، وفي توليد الكهرباء في محطات الطاقة، وأيضًا في الصناعات الكيميائية لإنتاج العديد من المواد كالبوليستر في لباسنا اليومي، وفي مصانع السيارات بتوفير أنواع زيوت التشحيم من النفط.

إن عمليات استكشاف النفط كانت مهمةً مضنيةً في صحارٍ قاحلة تتشابه هضابها ورمالها على زائريها من الجيولوجيين بكونها متقاربة المعالم، ولم يكن اختيار مكان الحفر عشوائيًا بل اعتمد على بحوثٍ وخبرات علمية وهندسية.

قد يكون الاعتقاد السائد لدى العموم بأن إنتاج الطاقة من النفط ذو طابع تقليدي وأن العملية تعتمد على الجهد البدني وتفتقر للتطور التقني المعاصر، لكن الحقيقة تختلف تمامًا. فالعاملين بمجال البترول شاهدين على استخدام تقنيات في الاستكشاف والمسح الحاسوبي وهندسيات وخوارزميات تعادل في تعقيداتها علوم الصواريخ والفضاء. 

إن مراحل عملية البحث والتنقيب عن النفط هي خطوات منهجية تهدف إلى اكتشاف وتقييم وجود النفط في مناطق معينة، وهي كالتالي:

الدراسات الجيولوجية والتخطيط: وتشمل جمع البيانات التاريخية عن المكان، وتحليل الجيولوجيا بدراسة الطبقات الصخرية وتكوينها، ومن ثم اختيار المواقع المحتملة لوجود النفط.

المسوحات الجيوفيزيائية: وتشمل المسح السيزمي باستخدام الموجات الصوتية، والمسح الجاذبي، والمسوح المغناطيسية.

حفر الآبار الاستكشافية: وتشمل هذه المرحلة استخدام المعدات الثقيلة لحفر طبقات الأرض الجوفية، وتحليل العينات في المختبر.

تقييم الاكتشاف: وتشمل هذه المرحلة تحديد الكمية والنوعية للنفط أو الغاز، واختبار الإنتاج، وخلال هذه المرحلة يتم التقييم الاقتصادي بما يسمى بدراسة الجدوى لاستخراج النفط بناءً على التكاليف والأسعار الحالية للسوق.

تطوير الحقل والإنتاج: إذا كانت النتائج السابقة إيجابية، يتم تصميم البنية التحتية وبدء الإنتاج التجاري للنفط أو الغاز.

المراقبة المستمرة والصيانة: وخلال هذه المرحلة المراقبة الأداء الإنتاجي، والصيانة المستمرة لضمان أمان وجودة العمليات.

إن كل مرحلة من هذه المراحل تحتاج إلى فرق متعددة التخصصات من الجيولوجيين، والمهندسين، والفيزيائيين لتحقيق النجاح في عمليات التنقيب والإنتاج.

إن عمليات التنقيب والإنتاج لا تقتصر على المراحل أعلاه، بل هي عملية مستمرة من التحسين، فالبحث والتطوير في تقنيات الجيولوجيا، والجيوفيزياء، والحفر، واستكشاف المكامن، والإنتاج من كبرى اهتمامات الشركات العالمية.

وكمثال: فإن ميزانية البحث والتطوير تعدّت المليار دولار لعام 2023 لدى أرامكو السعودية، وأرقام تناسبية متقاربة في هذا المجال لدى شركات الطاقة في شتى أنحاء العالم

 

أين كانت هذه القطرة؟

حين نقوم بمحاولة فهم سلسلة الأحداث التي مرت بها هذه القطرة لنجيب على السؤال: «أين كانت قبل سنة؟» فعلينا أن نأخذ منظور القطرة نفسها. لقد كانت على أقل تقدير تحت مستوى سطح البحر بحوالي كيلومترين، وهي تتربع بين صديقاتها من القطرات الواحدة تلو الأخرى حتى تنجو تلك القطرة وتصبح في مكان آمن بين مسامية الصخور الأحفورية الرملية أو الجيرية منها، ليمثلوا ما يُسمى «المكمن الصخري».

المكمن الصخري علميًا هو مكان تجمّع الزيت أو الغاز داخل طبقات الأرض، يجب أن تتوفر فيه الشروط التالية:

توفر صخور مصدرية تحت درجة الحرارة مناسبة حيث تنشأ القطرة، وهي بين (150 و300) درجة فهرنهايت معروف بما يُسمى «نافذة البترول».

وجود صخور ذات نفاذية ومسامية مناسبة لتخزين النفط. تكون المسامية بين (2% و25%)، وتكون النفاذية بين (0.001 و0.1) مللي دارسي، وهي وحدة قياس نفاذية التربة والوسائط المسامية، تُستخدم بشكل واسع في مجالات هندسة البترول والجيولوجيا.

وجود صخور غطائية تحجب تسرب المواد الهيدروكربونية بعد وصولها إلى المكمن، وبذلك تحمي القطرات من التبعثر.

أن يكون لقطرات النفط طريق للانتقال من طبقة الصخور المصدرية إلى طبقة صخور المكمن.

وللملاحظة:
هذه الشروط تمثل نطاقات عامة، وبالخروج عنها فإن القيمة الاقتصادية لاستخراج النفط قد تكون أعلى بسبب الحاجة لعمليات غير تقليدية. وقد تختلف هذه النطاقات حسب الموقع الجغرافي، والعمق الجيولوجي، وظروف المكمن.

ويتم قياس هذه القيم بدقة باستخدام تقنيات حفر واستشعار وتسجيل للبيانات، مثل: اختبارات الضغط الجوفي، والتصوير الجيوفيزيائي. وقد يكون من الضروري إضافة بعض الأدوات المكلفة ذات الصلابة العالية، كالألماس، لكسر الطبقات الأرضية  حسب طبيعة المكمن، أو أن تُستخدم تقنيات حديثة كالأشعة فوق الصوتية للتعرف على نوعية الطبقة الصخرية بهدف الوصول واستخراج تلك القطرات إلى سطح الأرض.

على سطح الأرض:

على سطح الأرض، يقوم علماء الجيولوجيا والجيوفيزياء باستخدام أحدث البرمجيات، وآلات الحاسب، والخوارزميات للبدء في التنقيب عن هذا الجبل الخفي المستوفي للشروط المذكورة أعلاه، هدفهم هو الوصول إلى تلك القطرات.

يُسلّم بعد ذلك مجموعة الجيولوجيين نتائج بحثهم إلى علماء الحفر الاستكشافي، لإضافة معلومات دقيقة عن المكامن. ومن ثم، يقوم مهندسو المكامن بتصميم تمثال حي يُحاكي ما بباطن الأرض، بتقنيات حاسوبية حديثة، كالواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي.

ان هذه التقنيات تمكنهم من رؤية السلوك الديناميكي لما يجري تحت كيلومترات عديدة تحت سطح الأرض، متجسدة أمام أعينهم كلوحة فنية من تصميم عباقرة المهندسين. إن الهدف النهائي هو إتمام استخراج النفط كمصدر للطاقة، ومعالجته وتكريره، لتحصيل أكبر قدر من الفوائد في هذا المورد الطبيعي للأجيال القادمة.

وأول ما تراه القطرة عند وصولها إلى السطح، هي خطوط الأنابيب التي تمثّل مسار هذه القطرات من البئر وحتى مقرها الأخير، عبر أساليب تحكم بكميات الإنتاج، حسب معادلات اقتصادية ومالية وسياسية وقانونية وبيئية ذات تداخلات تعقيدية، تتمثل في جوهرها بمفاهيم العرض والطلب.

إنها قطرة، ولكن أثرها يتعدى الجوانب المادية الملموسة المذكورة آنفًا؛

فهي تشمل إنشاء مجال للتوظيف بشتى التخصصات، وتطوير مهارات الأفراد، والمساهمة في توفير رأس المال لبناء مستقبلٍ مستدام للعالم أجمع.

عن مستقبل النفط:

من المعتقدات السائدة أيضًا أن استخدام الغاز أو النفط سيختفي تمامًا في حينٍ غرة، ولكن الواقع أن التحول إلى مصادر طاقة بانبعاثات اخف هو معتمد على الزيت و/او الغاز كاساس مبدئي في عمليات استخراج المواد، وحتى في عمليات معالجتها.

وفي العديد من الدراسات التنبؤية، يظهر لنا دور النفط والغاز في شتى مسارات التحول؛ فالتغيير لا يحصل بين ليلة وضحاها، وانما عن طريق خطوات مدروسة ومنظمة، حتى نصل إلى هدف صافي الانبعاثات الكربونية  بما يسمى الحياد الصفري في 2060.

إنها قصة لم تنتهِ بعد من تطورات وإنجازات علمية وعملية مُحدَثة، تغيّرات في الطاقة والاقتصاد العالمي ترتبط بخيرات هذه الأرض وبأول قطرة نفط.